ابن الجوزي

383

صيد الخاطر

لحن القول » وإذا أردت تأكيد ذلك فضع عليه من يضعك « 1 » عنده ، فلا يخرج إليه بما في قلبه . فان أردت العيش فابعد عن الحسود ، لأنه يرى نعمتك . فربما أصابها بالعين ، فان اضطررت إلى مخالطة فلا تفش له سرك ولا تشاوره ، ولا يغرنك تملقه لك ، ولا ما يظهره من الدين والتعبد ، فان الحسد يغلب الدين . وقد عرفت أن قابيل أخرجه الحسد إلى القتل . وأن إخوة يوسف باعوه بثمن بخس . وكان أبو عامر الراهب من المتعبدين العقلاء وعبد اللّه بن أبيّ من الرؤساء . أخرجهما حسد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى النفاق وترك الصواب . ولا ينبغي أن تطلب لحاسدك عقوبة أكثر مما هو فيه ، فإنه أمر عظيم متصل لا يرضيه إلا زوال نعمتك . وكلما امتدت امتد عذابه ، فلا عيش له ، وما طاب عيش أهل الجنة إلا حين نزع الحسد والغل من صدورهم ، ولولا أنه نزع تحاسدوا ونغص عيشهم . 345 - الاقبال على اللذات وضرره في الدارين من سار مع العقل ، وخالف طريق الهوى ، ونظر إلى العواقب ، أمكنه أن يتمتع من الدنيا والذكر الجميل ، ويكون ذلك سببا لفوات مراده من اللذات . وبيان هذا من وجهين : أحدهما ان مال إلى شهوات النكاح وأكثر منها قلّ التذاذه ، وفنيت حرارته ، وكان ذلك سببا في عدم مطلوبه منها . ومن استعمل ذلك بمقدار ما يجيزه العقل ويحتمله كان التذاذه أكثر ، لبعد ما بين الجماعين ، وأمكنه التردد لبقاء الحرارة . وكذلك من غش في معاملته أو خان ، فإنه لا يعامل فيفوته ربح المعاملة الدائمة لخيانته مرة ، ولو عرف بالثقة دامت معاملة الناس له فزاد ربحه . والثاني أنه من اتقى اللّه وتشاغل بالعلم أو تحقيق الزهد ، فتح له من المباحات ما يلتذ به كثيرا . ومن تقاعد به الكسل من العلم أو الهوى عن تحقيق الزهد لم يحصل إلا اليسير من مراده . قال عز وجل ( وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً ) .

--> ( 1 ) أي يذمك .